Thursday, January 26, 2012

ولد ... بنت ... شايب

تملكنا التعب بعد يوم من الكر والفر وفض الكردونات الامنية

حتى وصلنا لميدان التحرير وافترشنا الأسفلت البارد

الأخبار تتوالى ... هناك شهيد سقط في السويس

الاسكندرية تحاصر مديرية الأمن

المحلة تنتفض بقوة كعادتها

محاولات عدة للاتصال بالأهل لبث الطمأنة في القلوب لكن دون جدوى

الميدان محاصر بالاف من جيوش السواد المركزي

صفارات الانذار تشق صمت منتصف الليل وتعاند أصوات هتافاتنا المنهكة

أنوارها تضئ السماء بلون أصفر مقيت .. وقت أطفأوا علينا كل أنوار الميدان

كنا على وشك تنظيم إذاعة للميدان

حين انطلقت أولى قنابل الغاز تحمل ذيلا طويلا في أعلى رؤوسنا

لتسقط وسط المتظاهرين مع محاولات عشوائية لتفاديها

الثانية والثالثة و .. و ... والعاشرة

وتحول الميدان لساحة من الدموع كأقل الأضرار

المنهارون يتساقطون وغير القادرين يحاولون انقاذهم و أنفسهم

البعض انتقل لخطوط المواجهة مع الأمن فناله ماناله من الرصاص والخرطوش

وحين أصبحت المواجهة مستحيلة .. تحول الجميع لمواجهة شوارع القاهرة

القرار كان سريعا بترك الميدان والخروج في مسيرات متفرقة لتجوب الطرق

إلا أنها وحدها رفضت الخروج و الرجوع للخلف

كانت تقف وسط الميدان تسعف المختنقين ... زجاجة الخل والكولا أدواتها البسيطة

كانت تمد من تبقى للمواجهة بمناديلها المبللة بسوائل الانقاذ

وهتافها يتعالى وينفرد دون غيره ...

"اثبت ، اثبت "

كانت تبكي الميدان الخالى بحرقة

وتمسكت حتى آخر لحظة بالتواجد فيه

آخر ماسمعته منها

"انتوا رايحين فين!!؟؟"

وانتهت ليلة الميدان الأولى في 25 يتاير

....................

....................

كعادته كل يوم

يدخل الميدان من شارع طلعت حرب

محملا بأكياسه البلاستيكية البيضاء

خطواته المتثاقلة تعبر عن شخص عليل .. وابتسامته المؤمنة تصف صحة بلا حد

كنت أراقبه كل يوم وهو يوزع تلك الابتسامة مع وجبات الافطار على المعتصمين في خيمهم

كنت أسميه رجل توصيل الطلبات للمخيمات

لا يكل وهو الطاعن في السن ... ولا يمل من السعي في أطراف الميدان المتسع

"ماينفعش تفطر وانت بتقرا الجرنال ؟؟"

هكذا باغتني يوما بالسؤال وانا أطالع الصفحات

"هو انت مش تعبان ياحاج؟؟"

باغته كما فعل معي ..

أجاب بمد يده الى لأساعده في تخطي الرصيف والجلوس بجوارى في الصينية

ثم جلس وتنهد واستفاض

"احنا أصلنا اتاخرنا عليكوا وعلى نفسنا ... ويوم ما انتوا سبقتونا وخرجتوا في الشوارع ، كان لازم نحصلكوا ونكون في ضهركم "

....................

....................

الغاز مرة أخرى

تلك المرة في شارع محمد محمود كان خانقا ولم يكتفِ ، فكان حارقا

نار تشوي الوجوه ولا ينفعها الخل والبصل والكولا

هناك شخص ما يمسك بعلم "مينا دانيال" في الصف الأول

كان جل ما أتمناه أن أذهب لهناك لأرى كيف يحتمل وابل الرصاص والغاز

وكيف لايسقط العلم من يده

مع كل خطوة أتقدمها كان صدري يختنق ليشتعل

وكانت آخر خطواتى المتقدمة تلك التى تلقيت فيها الخرطوش

فبدأ التراجع ...

سحابة دخانية تحجب طريق العودة

والمتقهقرون يتخبطون بقوة فيزيدون العودة صعوبة

على جانب الطريق جلست أحاول استجماع انفاسي

"خميراااااااااااااة"

هكذا صرخت مستغيثا

انتشر الرذاذ على وجهي يطفئ ما أشعله استنشاق الغاز

"بربش بعينك"

هكذا تلقيت الأمر من مسعفى

وحين التنفيذ وجدت أمامي طفلا يمسك بـ"بخاخة" الخميرة

كرر أمره فكررت فعلة الـ"بربشة"

ثم ناولني عبوة من عصير الجوافة واللبن ناصحا بسرعة الشرب من أجل التخلص من السموم

ولما حاولت أن أشكره...

وجدته يسعف شخصا آخر

4 comments:

Bella said...

هايل يامحمد

وصفك للمشاهد غاية في الروعة

فكرتني بمحمد محمود وأمجاد الشباب وكل الايام المجيدة التانية

Nourhan Mohammed said...

- كل مرة بقرأ فيها أي قصة من الميدان مهما بلغت قسوتها بتمنى لو بس كنت شميت ريحة المكان وقتها مع احساسي بالعجز واني مقدمتش اي حاجة للبلد! احساس بالعجز مختلط بالفخر والنشوة والشوق والحنين ...
انا فخورة بيك يا محمد جدًا
- اسلوبك في السرد والتمهيد مالهمش حل ... كأنك بتكتب شعر أو نثر بيتسموا بالبساطة والقوة والاحساس في نفس الوقت

ارجوك كمّل كتابة

Nourhan Mohammed said...

وانا مبسوطة اني كنت واحد من الاسباب اللي خلتك تكتب وتوثق حاجات ليناير لما طلبت منك علشان صفحة التوثيق :)

Che_wildwing said...

كل مرة بشوفك فرحانة بالمكتوب ... بقول اني مش هبطل كتابة علشان خاطرك :)